تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧ - المقدمة الثانية
المقدّمة الثانية:
إنّ موجوديّة الممكنات بحقيقة الوجود الفائض من الحقّ الأول و قد علمت فيما سبق، إنّ الوجود في كلّ شيء هو نحو وجوده و هو صورة ذاته دون المسمّى بالمهيّة إلّا إنّ صورة الوجود في بعض الأشياء كالمفارقات، و ضرب من الملائكة و المدبّرات العلويّة قائمة في أنفسها بذات باريها و موجدها. و في بعض الأشياء كالطبائع و ضرب من الملكوت و المدبّرات السفليّة، قائمة لا في أنفسها بل بتبعيّة المحالّ و المقادير، و كلّ من قسمي الوجود أعني القائم بالذات و القائم بالمقدار، نور من أنوار اللّه الفائضة عنه في سموات الأرواح و أراضى الأشباح و هو من اسمه العليم و النّور إذ هو عالم الغيب و الشهادة، و اللّه نور السّموات و الأرض بل الوجود على مراتبه كلّه نور و اللّه نور الأنوار.
و الإنسان بالقوّة مشتمل على كلّ قسم من النور و أشرف أنواره المكمونة بالقوّة في ذاته بحسب أصل الفطرة، هو النور العقلي، المدرك للحقائق، الفعّال للصور العقليّة و النفسانيّة و الحسيّة عند تفرّده بذاته و خروجه من القوّة إلى الفعل و اتّصاله بحضرة الحقّ الأول، و إنّما يخرج من القوّة إلى الفعل عند استكماله بسلوك سبيل الحقّ و انقياد الشريعة الإلهيّة بالايمان و العمل الصالح، و صرف قواه الإدراكيّة كالحواسّ الظاهرة و التحريكيّة كالقدرة و الإرادة و الشهوة و الغضب فيما خلقت هي لأجله.
و هذه القوى أيضا ضروب من الأنوار الوجوديّة التي أنعمها اللّه علينا للاستعمال في التوصّل بها إليه تعالى و التقرّب منه، و هي أيضا في أول النشاة ضعيفة خامدة في مادّة البدن سيّما الباطنيّة منها كالوهم و الخيال من القسم الأول و الهوى و حبّ الجاه و الرياسة من القسم الثاني، و هذه الأنوار الحسيّة و كذا محسوساتها و متعلّقاتها صور مكمونة في موادّ الأجسام سيّما العنصريّة كالصورة الناريّة في الفحم إذ جميع هذه الأجسام التي تلينا و ما حولنا بمنزلة الفحم و الزغال، و أنوار صور الحقائق مندمجة فيها، و إنّما يظهر من البطون و يبرز من الكمون لنا بسبب حركات و رياضات في كورة الدنيا و عالم